ابن تيمية

182

مجموعة الفتاوى

وَلَا عَلَّمَهُ وَإِضَافَةُ ذَلِكَ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كَإِضَافَةِ مَنْ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالطَّيْرَ ؛ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَنْوَاعِ مِن السِّحْرِ حَتَّى إنَّ طَوَائِفَ مِن اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَجْعَلُونَهُ نَبِيّاً حَكِيماً فَنَزَّهَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } الْآيَةُ . وَكَذَلِكَ أَيْضاً الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْحَوَادِثِ بِمَا يَسْتَدِلُّونَ بِهِ مِن الحَرَكَاتِ الْعُلْوِيَّةِ وَالِاخْتِيَارَاتِ لِلْأَعْمَالِ : هَذَا كُلُّهُ يُعْلِمُ قَطْعاً أَنَّ نَبِيّاً مِن الأَنْبِيَاءِ لَمْ يُؤْمَرْ قَطُّ بِهَذَا ؛ إذْ فِيهِ مِن الكَذِبِ وَالْبَاطِلِ مَا يُنَزَّهُ عَنْهُ الْعُقَلَاءُ الَّذِينَ هُمْ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ بِكَثِيرِ وَمَا فِيهِ مِن الحَقِّ فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا قَالَ إمَامُ هَؤُلَاءِ وَمُعَلِّمُهُمْ الثَّانِي " أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ " قَالَ مَا مَضْمُونُهُ : إنَّك لَوْ قَلَبْت أَوْضَاعَ الْمُنَجِّمِينَ ؛ فَجَعَلْت مَكَانَ السَّعْدِ نَحْساً وَمَكَانَ النَّحْسِ سَعْداً أَوْ مَكَانَ الْحَارِّ بَارِداً أَوْ مَكَانَ الْبَارِدِ حَارّاً أَوْ مَكَانَ الْمُذَكَّرِ مُؤَنَّثاً أَوْ مَكَانَ الْمُؤَنَّثِ مُذَكَّراً وَحَكَمْت : لَكَانَ حُكْمُك مِنْ جِنْسِ أَحْكَامِهِمْ يُصِيبُ تَارَةً وَيُخْطِئُ أُخْرَى . وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَهُمْ يُنَزِّهُونَ عَنْهُ بقراط وَأَفْلَاطُونَ وَأَرِسْطُو وَأَصْحَابَهُ الْفَلَاسِفَةَ الْمَشَّائِينَ الَّذِينَ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مِن البَاطِلِ وَالضَّلَالِ نَظِيرُ مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ؛ فَإِذَا كَانُوا يُنَزِّهُونَ عَنْهُ هَؤُلَاءِ الصَّابِئِينَ وَأَنْبِيَاءَهُمْ الَّذِينَ أَقَلُّ نِسْبَةً وَأَبْعَدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِن اليَهُودِ وَالنَّصَارَى : فَكَيْفَ يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ